اسماعيل بن محمد القونوي
175
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
على يقول كان قوله تعالى : وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 14 ] لبيان أن لهم عذابا أليما بسبب هذا القول فلم يكن لتوهم التكرار مجال . قوله : ( روي أن ابن أبي وأصحابه استقبلهم نفر من الصحابة ) هذا سبب نزول الآية قيل أخرجه الثعلبي والواحدي من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال الشيخ ابن حجر في كتابه أسباب النزول أبو صالح ضعيف والكلبي متهم بالكذب والسدي الصغير كذاب قال وهذا الإسناد سلسلة الكذب لا سلسلة الذهب قال وآثار الوضع لائحة على هذا الكلام وسورة البقرة نزلت في أوائل ما قدم النبي عليه السّلام كما ذكره أبو إسحاق وغيره وعلي رضي اللّه تعالى عنه إنما تزوج فاطمة رضي اللّه تعالى عنها في السنة الثانية من الهجرة فكيف يدعوه ختنا انتهى . وأنت خبير بأن الثعلبي والواحدي لم يتحاشيا عن نقل الأحاديث الموضوعة لا سيما في أواخر السور والمصنف طيب اللّه ثراه اتبعهما تجاوز اللّه تعالى عنهم أجمعين وإذا علم ضعف هذه الرواية في بيان سبب النزول فلا ضرر في عدم دلالة هذه القصة على أنهم إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا : آمَنَّا [ البقرة : 14 ] ولا حاجة إلى الجواب بأنه صارت هذه القصة سبب بيان حالهم فيما يكثر منهم من قولهم آمنا انتهى . ولا يبعد أن يقال قول ابن أبي إن إيماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم في المعنى كما وقع في بعض النسخ يكون حاصل قالُوا : آمَنَّا [ البقرة : 14 ] فالدلالة ثابتة حكما والنقل بالمعنى شائع ذائع وابن أبي رئيس منافقي المدينة وهم أشياعه وأصحابه والنفر بالتحريك جماعة من رجال من ثلاثة إلى عشرة . قوله : ( فقال لقومه انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم ) كيف منسلخ عن الاستفهام وانظروا معلق به انظروا كيفية رد هؤلاء فإن تلك الكيفية عجيبة تليق بالنظر والرؤية ( فأخذ ) تكرار لقوله في أول القصة : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 8 ] لأن معناها دعوى ثبوت الإيمان ونفي الإيمان عنهم ومعنى هذه الآية أيضا كذلك فما معنى هذا التكرار أجاب بأنا لا نسلم التكرار فإن جهة مساق الآية الأولى مخالفة لهذه الآية فإن الآية الأولى سيقت لبيان مذهب المنافقين والآية الثانية لبيان حال المنافقين مع المؤمنين ولا شك أن هذا مغاير لذاك وقال الطيبي وتحرير مساق الآيتين أن قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ [ البقرة : 8 ] ايذان لخبثهم وكشف عن افراطهم في الدعاء أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي وأنهم احاطوه من جانبيه ومن ثمة نفى عنهم ذلك بقوله : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة : 8 ] وفسر بقوله يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 9 ] وعلل بقوله : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [ البقرة : 10 ] وأن قوله : وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا [ البقرة : 14 ] بيان لدأبهم وعادتهم وأنهم حين استقبلوا المؤمنين دفعوهم عن أنفسهم بقولهم آمَنَّا استهزاء وسخرية ولذلك أتى بالجملة الشرطية وعقب بقوله : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 15 ] والذي نقلناه من تحريرات الأفاضل في هذا المقام مثال جميعها إلى ما ذكرناه آنفا ومرجع الكل إلى أمر واحد : عباراتنا شتى وحسنك واحد * وكل إلى ذاك الجمال يشير